الرئيسية / كتاب المقالات / جودة الإعلام وتحديات العولمة

جودة الإعلام وتحديات العولمة

جودة الإعلام وتحديات العولمة

بقلم

الكاتبة / دلال راضي

كثيرة هي الندوات والملتقيات والكتابات التي تتحدث عن جودة الإعلام، لكن عند تتبع ما طرح فيها نجد اختلافاً وتبايناً في المعايير التي تقاس من خلالها هذه الجودة، سواء أكانت مقاييس مادية أو إبداعية، الأمر الذي خلق رؤية ضبابية عند تقييم الفعل الإعلامي، فهناك من يربط جودة الإعلام بمدى تحقيقه الأهداف المناطة به، والبعض الآخر في مستوى الأرباح التي يحققها هذا الإعلام خاصة المؤسسات الإعلامية الخاصة، بينما يرى آخرون أن جودة الإعلام تكمن في مقدرات هذا الإعلام المادية منها والبشرية وبالتالي إدارته الناجحة والتي تعمل على توظيف هذه المقدرات واستغلال الإمكانيات المتاحة الاستغلال الأمثل للوصول إلى المخرجات الإعلامية المطلوبة.

عند تأمل بعض هذه المحددات أو المعايير التي يتم النظر إليها كمقاييس لتقييم جودة الإعلام نراها بمجملها تتمحور حول صناعة الإعلام، وحول الإعلام كمنتج خاضع كغيره من المنتجات لمعايير الجودة أو الرداءة، وجميعها في هذه الحالة تُنحّي الجانب الأهم في ماهية العملية الإعلامية كونها عملية تواصل تتم بين مرسل ومستقبل، فوسائل الإعلام هي مؤسسات متخصصة في جمع الأخبار والمعلومات ومعالجتها وبالتالي نقلها للناس، فالجمهور المتلقي والمستقبل للرسائل الإعلامية هو المستهدف وهو السوق التي يعرض فيها صانع الإعلام منتجه وبقدر استهلاكه للمنتج الإعلامي نعرف مدى استجابته للرسائل الإعلامية المختلفة، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال تنحيته عند أي تقييم لجودة الإعلام.

من خلال ما سبق نجد أن قياس الجودة الإعلامية قد يعزى لدى البعض إلى معايير مادية مثل امتلاك أحدث الأجهزة والمعدات الإعلامية وكذلك جماليات التصميم والعرض والأداء في المادة الإعلامية، بينما يلجأ البعض إلى معايير معنوية كالمهنية والخبرة والممارسة الطويلة والمخزون الثقافي واللغوي، وهناك من يقيس الجودة من خلال كلا النوعين أي المادية والمعنوية، وكما أسلفت جميع هذه المعايير تدور حول المرسل أو متطلبات الإنتاج الإعلامي الجيد وتتجاهل جودة المادة الإعلامية المنتجة ومدى تأثيرها ونفوذها، ناهيك عن غياب المؤسسات المتخصصة في البحوث والدراسات الإعلامية والتي قد يناط بها قياس جودة الإعلام.

حقيقة الأمر أنه بالنظر إلى الإنتاج الإعلامي التقليدي والذي يعتمد على الصحافة الورقية والبث الإذاعي والتلفزيوني سنجد أن هناك تطورات وتحديثات مستمرة في جميع الجوانب، ولكن قد نلاحظ أحياناً تطوراً في نوعية المنتج الإعلامي ليغدو نخبوياً فلا يصل تأثيره سوى لشريحة بسيطة من الناس، وفي أحوال أخرى قد نجد سطحية في التغطية الإعلامية للأحداث ما يجعل المستقبل يبحث عن قنوات إعلامية أخرى، وقد نلاحظ في بعض الأحيان تراجع في الإنتاج الإعلامي الذاتي والاعتماد على القوالب الإعلامية الجاهزة رغم توافر الإمكانيات، على سبيل المثال نجد أن إعلامنا المرئي لا يزال إعلاماً مستهلكاً للوثائقيات والمسلسلات التي ينتجها الآخرون ولا توجد استراتيجية قائمة على الإنتاج التراكمي وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي من هذه المنتجات، إن لم نقل تصديرها للآخرين كذلك، ولتبسيط الصورة أكثر أطرح مثالاً بسيطاً وهو النظر إلى الفرق بين الإنتاج التلفزيوني المعروض في شهر رمضان والإنتاج المعروض في بقية أشهر السنة، فلماذا لا يبقى هذا الإنتاج بنفس الوتيرة كما هو رمضان وبنفس المستوى مع المزيد من التطور والتنوع؟.

قد يكون كل ما أسلفنا مجرد مدخل لفهم ماهية جودة الإعلام، لكن أمام تحديات العولمة وتدفق المعلومات والأخبار والإعلام العابر للحدود وما أحدثه التطور التكنولوجي من ثورة إعلامية عالمية وسباق محموم وتنافس على النفوذ الإعلامي والسيطرة الإعلامية عبر الفضائيات والإنترنت نجد أن مهمة جسيمة ألقيت على عاتق المؤسسات الإعلامية الوطنية، فإلى جانب مهمتها الإعلامية الكبيرة في ظل هذا التنافس المحموم أصبح مناطاً بها التصدي للغزو الإعلامي وتأثيراته السلبية والمدمرة، فقدت أدت التكنولوجيا الحديثة إلى فتح آفاق واسعة للاتصال الإعلامي العابر للحدود فأصبحت جودة الإعلام تقاس بالقدرة على السيطرة الإعلامية وتوجيه العقول ومدى النفوذ الإعلامي وفي ذات الوقت القدرة على مواجهة الغزو الإعلامي على المستوى المحلي أو ما سمته اليونسكو “الاستعمار الثقافي الجديد”.

حقيقة الأمر أن التطور التكنولوجي في مجال الاتصالات غير الكثير من أنماط الحياة المعتادة، فأصبحت شبكة الإنترنت بمثابة الجهاز العصبي المسيطر على حياة الناس سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ولا تقتصر هذه السيطرة على المجال الخدمي فقط بل تعدت ذلك إلى المجال الإعلامي، فأغلب الناس صاروا يستقون معلوماتهم من الشبكة العنكبوتية، بل تولد لديهم ارتباط وثيق بها نتيجة للفضاء التفاعلي وسهولة الاتصال والتواصل الذي أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي فيها، وبالتالي تغيرت قواعد اللعبة الإعلامية في كثير من الجوانب، على سبيل المثال صارت الصحافة الإلكترونية أسهل وأقرب وفي متناول الجميع، وبالتالي أتاحت للقارئ فضاء تفاعلياً يجذبه نحوها، حيث غدا بمقدوره التعليق أو التعقيب أو الرد على أي منشور مباشرة أو عبر البريد الإلكتروني، وهنا يكمن التحدي الإعلامي الراهن والذي يحتاج إلى تخطيط إعلامي يتوازى مع التطورات المتلاحقة في الإعلام الإلكتروني، كون هذا الإعلام يعتمد على المنتج الإعلامي اللحظي أكثر من أي شيء آخر، بحيث يصبح ما نشر بالأمس قديماً ومهملاً اليوم، وهكذا من يوم لآخر، وحتى المتلقي نفسه أصبح معتمدا على المنتجات الإعلامية السريعة والمقتضبة والتي تحتوي على المختصر المفيد خاصة في الجانب الأخباري، وبالتالي ينجذب إلى التفاعل مع هذا المحتوى أكثر من أي شيء آخر، مثال على ذلك ما نلمسه بقوة في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” من تفاعلات وتجاذبات سياسية واجتماعية وثقافية سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي.

وهنا يتجلى دور الإعلام الوطني، وهو الدور الذي يضع أمامنا معياراً مهماً وجديداً لتقييم وقياس جودة هذا الإعلام من وجهة نظري، هذا الدور يتخلص في القدرة على توجيه المجتمع نحو تبني رؤية فكرية وطنية صلبة وراسخة وغير قابلة للتشكيك أو الاختراق من قبل أعداء هذا الوطن ومن أصحاب الأفكار المتطرفة والهدامة وبالتالي القدرة على حشد وتوجيه كل أفراد المجتمع المتسلحين بهذه الرؤية الوطنية لنشر الوعي المجتمعي بكافة أشكاله، والتعريف بهذا الوطن ومميزاته وسماته أمام الآخرين وكذلك التصدي لكل الهجمات الإعلامية المناوئة بشكل جماعي وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا نجح الإعلام في هذا الجانب واستطاع بشكل غير مباشر جعل كل فرد من أفراد المجتمع قناة إعلامية وطنية تؤدي رسالتها حيثما تكون، حينها لن يختلف اثنين حول جودة هذا الإعلام ونجاحه وسيطرته.

 

 

عن الكاتبة / ريماس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *